القادة أبو هين.. حكاية بطولة توجت حياة القساميين الثلاثة بالشهادة

فجر الأول من مايو/ آيار 2003م، تسللت قوات إسرائيلية خاصة مصحوبة بعشرات الدبابات والآليات المصفحة شرق حي الشجاعية من ثلاثة محاور، تحت غطاء الطائرات الحربية؛ إذ كان الهدف هو ثلاثة من القادة القساميين الأشقاء يوسف ومحمود وأيمن خالد أبو هين.

تيقظ الأشقاء الثلاثة لتقدم القوات الخاصة صوب منزلهم المتاخم للحدود الشرقية للقطاع، فامتشقوا أسلحتهم الرشاشة وقنابلهم اليدوية وتحزموا بالأحزمة الناسفة، وما إن بدأت القوات بالوصول إلى مشارف البيت حتى عاجلوهم بالرصاص والقنابل فأوقعوا طليعة القوة الخاصة بين قتيل وجريح.

استدعى الاحتلال المزيد من قواته وفرض حصاراً مشدداً على منزل الأشقاء أبو هين ونشر القناصة على أسطح جميع المنازل المجاورة، وشاركت الدبابات وطائرات الأباتشي بإطلاق النار والقذائف بكثافة صوب المنزل.

تبايع الأشقاء الثلاثة على الموت وخاضوا معركة مشرفة امتدت لـ 16 ساعة متواصلة، ساندهم فيها مجاهدو كتائب القسام الذين تمكنوا من تدمير العديد من الآليات الإسرائيلية المحاصرة للمنزل وإعطابها، حتى ارتقى القساميون الثلاثة إلى جانب ثلاثة شهداء قساميين وسبعة مواطنين آخرين.

من هم الإخوة أبو هين؟!

نشأ الأشقاء القساميون الثلاثة محمود ويوسف وأيمن خالد أبو هين في عائلة فلسطينية عرفت بالتزامها وإيوائها ومساندتها للمجاهدين، أمثال القائد الشهيد ياسر النمروطي والقائد عماد عقل والشهيد المهندس يحيى عياش والقائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، ما أكسبهم الأخلاق الحسنة وحب الجهاد في سبيل الله منذ نعومة أظافرهم.

بايع الأشقاء الثلاثة جماعة الإخوان المسلمين في سن مبكرة وكانوا من أبرز نشطاء حركة حماس في حي الشجاعية، ما جعلهم في دائرة استهداف قوات الاحتلال فقد تعرضوا للأسر معاً في سجون الاحتلال ثلاث مرات.

وفي العام 1992 أبعدت قوات الاحتلال الأشقاء الثلاثة مع أكثر من 400 فلسطيني من قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، على الرغم من حداثة سنهم، إذ كان يبلغ الشهيد أيمن من العمر 19 عاماً.

أجبر المبعدون قوات الاحتلال في العام 1993 إلى إعادتهم إلى قطاع غزة، ليباشروا جهادهم ودعوتهم من جديد قبل أن تتلقفهم سجون السلطة الفلسطينية، التي لاقى الإخوة الثلاثة فيها صنوفاً شتى من ألوان العذاب.

يوسف.. رفيق العياش وتلميذه

انضم الشهيد القسامي القائد يوسف أبو هين (30 عاماً) إلى الجناح العسكري لحركة حماس في العام 1988، وارتقى إلى مرتبة قيادية في الجهاز العسكري نظراً لتمتعه بمزايا قيادية عالية أهمها السرية والكتمان والذكاء الحاد؛ ما حدا بسلطات الاحتلال إلى إبعاده إلى جنوب لبنان في العام 1992، وكان قبلها اعتُقل في سجون الاحتلال وخضع للتحقيق في زنازين سجن عسقلان لمدة طويلة لم يعترف خلالها بأي معلومة، واشتهر بتصديه للعصافير داخل الزنازين خلال محاولتهم إجباره على الاعتراف وتهديدهم بسكب الماء الساخن عليهم إن حاولوا المساس به قبل أن يتم سحبه من عندهم.

عمل الشهيد على الانخراط بقوة في العمل العسكري لكتائب القسام منذ البدايات، وحوّل بيت عائلته إلى مأوى للمطاردين الأوائل لكتائب القسام ابتداء بالمجموعات الأولى (مجموعة بشير حماد وأحمد انصيو وغيرها، وليس انتهاء بالمهندس يحيى عياش ومحمد الضيف).

التقى الشهيد يوسف بالمهندس يحيى عياش بعد وصوله إلى قطاع غزة، وكان له شرف إيوائه في بيته مدة طويلة وتعلم على يديه تصنيع المتفجرات، وعمل على تشكيل خلايا ومجموعات عسكرية نفذت العديد من العمليات النوعية والاستشهادية، كما شارك بنفسه في عدة عمليات إطلاق نار وزرع عبوات في المناطق الشرقية لمدينة غزة، ما جعل اسمه على قائمة المطلوبين لقوات الاحتلال التي حرصت على الإمساك به حياً.

عرف عنه علاقته الشديدة بالقائد القسامي عدنان الغول، وأمضى ليالي كاملة وسط الأمطار والبرد برفقة الشهيد الغول والمهندس يحيى عياش في المناطق الشرقية لمدينة غزة بهدف التغلب على الإجراءات الأمنية للسلك الفاصل، والتوصل إلى طريقة تمكن الاستشهاديين من تجاوزه ودخول الأراضي المحتلة عام 1948م.

في عام 1996 وعقب عمليات الثأر للمهندس يحيى عياش والتي كان للشهيد يوسف دور بارز في التحضير لها وتصنيع الأحزمة الناسفة المستخدمة فيها، اعتُقل في سجون السلطة الفلسطينية مدة خمس سنوات كاملة تعرض فيها لصنوف شتى من ألوان العذاب، غير أنه واجه ذلك بصلابة غير معهودة ولم يعترف بأي معلومات أو مخازن الأسلحة التي كان يشرف عليها، وأصيب الشهيد يوسف بطلق ناري في قدمه خلال محاولته الهرب من سجن السرايا وسط مدينة غزة.

ومع انطلاق انتفاضة الأقصى خرج الشهيد يوسف من سجون السلطة الفلسطينية ليلتحق مجدداً بكتائب القسام، وأضحى أحد قادة كتائب القسام الميدانيين ومن أبرز خبرائها في مجال تصنيع المتفجرات.

وربطت الشهيد يوسف في تلك المدة علاقة وثيقة بالشهيد القائد المؤسس صلاح شحادة، الذي أوكل إليه عدة مهام تنظيمية وعسكرية في تشكيل المجموعات والتسليح وتصنيع القنابل والقذائف، كما ميزته علاقته الوثيقة وعمله المشترك مع الشهداء القادة أمثال وائل نصار وفوزي أبو القرع ونضال فرحات.

محمود.. الداعية المجاهد

بايع الشهيد محمود أبو هين (33عاماً) جماعة الإخوان المسلمين وهو في سن الـ 19 عاماً، وما إن اندلعت انتفاضة الحجارة في العام 1987 كان من أبرز نشطائها في منطقة الشجاعية ما جعله عرضة للاعتقال المتكرر من قبل قوات الاحتلال.

عُرف عن الشهيد محمود حبه الشديد للدعوة إلى الله عز وجل خاصة في أوساط الشباب؛ وأولى لذلك جل وقته، إلا أن ذلك لم يمنعه أن يكون أبرز مجاهدي كتائب القسام في حي الشجاعية فقد شارك في العديد من عملياتها الجهادية، وكان على علاقة وثيقة بالقادة الشهداء عماد عقل والمهندس يحيى عياش والقائد محمد الضيف.

بالإضافة إلى عمل الشهيد في الانتفاضة إلا أنه كان رجل دعوة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يخطب في الناس ويبادر بموعظتهم، وقد اعتُقل محمود لمدة ستة أشهر اعتقالاً إدارياً في سجن النقب.

كان رجل دعوة يمثل قدوة للآخرين بالتزامه وتفانيه في العمل وحبه لدعوته وإخوانه ومشاركته للناس في أفراحهم وأتراحهم، وغدا من الأوائل الذين جندوا الشباب للدعوة، حتى أحبه كل من التقى به وعمل معه.

اعتقل في بداية الانتفاضة الأولى اعتقالاً إدارياً مدة ستة أشهر في ظروف صعبة في سجن النقب الذي كان يمثل حالة من القهر والقسوة، لكن السجن لم يفت في عضده فانطلق من جديد للعمل داعية ومجاهداً.

ومع بداية تشكيل الكتائب كان محمود من الأوائل الذين انخرطوا في العمل فيها، بل كان أن فتح بيته على مصراعيه لإخوانه المطاردين وكانت بداية الإيواء والانطلاق لعمليات القائد الشهيد ياسر النمروطي، ثم تتابع على البيت قادة الكتائب ومن بينهم رائد الحلاق ومنذر الدهشان وطارق دخان وعماد عقل وعبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة ومحمد الضيف ويحيى عياش والقائمة تطول.

أيمن.. مجند الاستشهاديين

الشهيد أيمن أبو هين (27 عاماً) أصغر أشقائه الثلاثة، إلا أن روحه الجهادية وشجاعته الكبيرة جعلته يتدرج في السلم التنظيمي لحركة حماس، فإضافة إلى عمله الدعوي في مساجد الشجاعية ومدارسها مسؤولاً عن الكتلة الاسلامية، كان مسؤولاً عن جهاز (الأحداث) في منطقة الشجاعية وتولى مهمة تشكيل عشرات المجموعات العاملة فيه واللجان الإعلامية والثقافية للحركة في منطقته، واشتهر بخطه الجميل وقدرته على رسم اللوحات الفنية على جدران حي الشجاعية؛ وهو ما أهله ليصبح قائداً قسامياً فذاً، فقد تعرض للاعتقال في سجون الاحتلال وأُبعد عن قطاع غزة إلى جنوب لبنان وهو في سن الـ 19.

بعد العودة إلى القطاع عاد أيمن لممارسة نشاطه في صفوف الحركة بمختلف الأشكال الدعوية والتربوية والعسكرية، ووصف الشهيد بأنه "بحلقة الوصل بين قيادة القسام وبين الاستشهاديين" على الرغم من صغر سنه، وهو أول من أسس قسم التصوير في كتائب القسام، وكانت مهمته الأساسية تصوير وصايا الاستشهاديين في منزله قبل خروجهم لتنفيذ عملياتهم، ومن أشهر الوصايا التي صورها وصية الشهيد محمد فرحات منفذ عملية عتصمونا في قطاع غزة.

ألقت السلطة الفلسطينية القبض على الشهيد أيمن في العام 1998 بعد حملة اعتقالات شنتها اجهزة أمن السلطة في حي الشجاعية شملت أكثر من 20 شخصاً اتهمتهم بالتخطيط لتنفيذ عمليات استشهادية بالداخل رداً على اغتيال القائدين عادل وعماد عوض الله، وكان من بين المعتقلين في الحملة الشهيد القائد أحمد الجعبري.

واكتشفت أجهزة السلطة الفلسطينية خلال مداهمتها منزل أيمن مخزناً للذخيرة والمتفجرات تابعاً للمجاهدين، وقد ذاق الشهيد أصناف العذاب على أيدي محققي الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

الشيخ ياسين يتوعد

"سيدفع العدو ثمناً باهظاً وسيكون الرد بأشكال المقاومة كافة والعمليات الاستشهادية ضد الجنود والمستوطنين" بهذه الكلمات علّق الشيخ أحمد ياسين الذي تقدم عشرات آلاف الفلسطينيين الذين شاركوا في تشييع جثامين الشهداء الثلاثة عشر.

بينما أشاد إسماعيل هنية ببطولة الشهداء الأشقاء الثلاثة وشجاعتهم وصمودهم في مواجهة دبابات الاحتلال وطائراته ومئات الجنود المدججين بالسلاح لمدة 16 ساعة متواصلة.

وهكذا توّج القادة القساميون الإخوة أبو هين رابطة الدم برابطة العقيدة والجهاد والمقاومة، فعاشوا معاً مجاهدين وقضوا إلى ربهم بعد أن سطروا حكاية بطولة وتضحية لا تنسى.

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي جهاز العمل الجماهيري - حماس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

  • « السابق
  • التالي »

تعليقك على الموضوع