ولكم في الشّهادة "حياةٌ" يا رجال الأنفاق

هُنا شوارعُ المدينةِ حزينةٌ ترثِي شهداءَها الذين قضَوا هُناكَ في معقلٍ للجهادِ والاستشهادِ، في مربضِ سادتْ فيه معاولُ الحقِّ المبينِ، كشمسٍ بدّدت عتمّة الليل وبشّرت بصباحِ الفتحِ على التّخومِ وفي عمقِ الأرضِ المحتلةِ.

أخبارٌ متلاحقةٌ، ما بين الإشاعاتِ والحقيقة، غُبارٌ يُغطى سماءَ الشّرقِ، صوت إسعافاتٍ يدوّي عاليًا في كل مكانٍ، أنباءٌ صداها في زقاقِ المخيمات، انهار النفقُ، الاتصال مفقود، لهيبٌ يحرقُ القلوبَ والعقول.

انتظارٌ وشهادةٌ 

كانَ الانتظارُ طويلًا للزّوجِة الصّابرة، حينَ تقدّم أحمدُ ملبيَا نداءَ إخوانـه من سرايا القُدسِ، لإنقاذ المجاهدين داخل النفقِ، بعدمـا فقد الاتصال بهم وهُم الذين عرفوا البوصلة جيّدًا، في دٌخان صواريخ الاحتلالِ، الذي أطلق حمم قذائفه الصاروخية على نفقٍ للمقاومة شرق قطاع غزة، ما بين مدينتي دير البلح وخانيونس.

وضعت يدها على بطنِها، وتقدّم بها الزّمن، حينَ يحملُ أحمدُ طفلته ويقبّلُها، ويضمها إلى صدرِه، ويعدُها بالتربية الصالحة، فهو الذي أحضر ملابسّها رفقة زوجته، وانتقى لها ثيابَها الجميلة، حين تبصر عيناها صباحَ القريةِ، فتبشّر العائلة بالفرحِ والحبِّ.

تأخر الوقتُ وبدأت القلوبُ تخفق سريعًا، وبدأت الأطرافُ ترتعشُ، والفكر حائر، والعيون شاحبة، تنتظرُ الفرج، لكنّ تكبيراتِ الشّبابِ، والأخبار المتلاحقة، أنذرتْ جموعَ المنتظرين أنّ الجسدَ المنهكَ قد عادَ بأمنيته الكبيرةِ التي طالمَا ردّدها ضحى ومساءً.

عادَ أحمدُ مسّجى بالدّمِ ومُلفًّا براياتِ الجهادِ والمقاومة المزينة بالتّوحيدِ، عاد أحمدُ إلى ساحِ البيتِ وافيًا بوعده الذي قطعه على نفسه، ولكن بشهادةٍ ممزوجة بالألم والفراق والغياب، وكما قالت زوجته، ترخصُ الرّوح فداء للمقاومةِ، فأي العزيمة عزيمتُكِ وأي الإرادة إرادتكِ.

حياةٌ جديدةٌ

هي حياةُ قلبٍ وحياةُ أملٍ وحياةُ مليئةٌ بالأشواقِ والحنين، حياةٌ باكورة أيامها حزنٌ وأوسطها غيابٌ وألم مستمرٌ، أطلت حياةٌ كالبدرِ بعد يومٍ واحدٍ من مواراة الثرى على والدها الشهيد ابن سرايا القدسِ أحمد أبو عرمانة، الذي ارتقى في رحلة البحث عن إخوانه المجاهدين من سرايا القدس في نفقٍ شرق القطاع.

صرخاتُ مهدِها في أولى لحظاتها على هذه الأرضِ، تلعنُ الأعداء وقذائفهم وصواريخهم وعدوانهم، تلعنُ المتخاذلين والمتآمرين على الشعب الفلسطيني المكلوم، آهاتها الطفولية كأنّها ترثي والدها الشّهيد، وتبكي يُتمها ولوعتها وأيامًا قادمة بلا أبٍ حنون يمسحُ دمعاتِها، ويخفف آلامها ويطيرُ بها نحو عنانِ العيشِ وسعادة الحياة.